رحلة المستحيل [1] | أخبروا "هيتشكوك" أن يُخرج فيلمًا مثل هذا

Written by  أحمد جمعة
Published in المقالات
الإثنين, 17 تشرين1/أكتوير 2016 08:24
Rate this item
(0 votes)
رحلة المستحيل [1] | أخبروا "هيتشكوك" أن يُخرج فيلمًا مثل هذا

Advertisement

*غرفة خلع الملابس*

الوضع يبدوا كما لو أنك في المقابر، الصمت يُخيم على المكان، الوجوه شاحبة والملابس التاريخية قد أهينت على مرأى ومسمع العالم أجمع.

وسط الغرفة يقف رجلاً أصلع طويل القامة، تبدوا على وجهه علامات العبوس ويحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه، بعدما قد تبلل سرواله، ومؤخرته باتت مكشوفة للجميع، حتى بدلته الثمينة لم تعد قادرة على حمايته، واللاعبين من حوله بالكاد يسمعونه، فما حدث أشبه بأن تستيقظ من حلم جميل على صفعة تهشم أسنانك وتجعل وجهك خرابًا.

المشجعين على المقاهي بعضهم ما زال لا يصدق ما حدث، الصدمة خيلت للبعض ان هذا كابوس جماعيًا سيستيقظون منه بعد بضعة دقائق، ليجدوا ان المباراة لازالت لم تبدأ بعد، أما في شوارع المدينة، صوت الرياح يُغطي على كل شيء، فالبعض قد دخل في نوبات بكاء هيستيرية وتخلت عنه أعصابه ولم يعد يقوى على شيء، على الرغم من إنك لو زائرًا جديدًا لإسطنبول، وقد أتيت هنا قبل 45 دقيقة فقط، كنت ستعتقد أنها مُستعمرةً إنجليزية بكل تأكيد.

هل يوجد أسوء من أن تستقبل ثلاثة أهداف في 45 دقيقة فقط وفي نهائي أكبر بطولة قارية في العالم؟ لا أعتقد ذلك، فكتيبة الطليان كانت قد أكتسحت الإنجليز، من المجنون الذي يستطيع ان يتحدث عن العودة في النتيجة الآن؟ الأمر انتهى! بل ان البعض كان يعتقد ان أي كرة ستذهب لمرمى الإنجليز ستتحول لهدف بكل تأكيد، ليس هذا فقط، الجماهير الإيطالية بدأت بفتح زجاجات الشامبانيا إحتفالاً، وأحد المعلقين قال: "ميلان يلعب كرة قدم من كوكب أخر، تصبح على خير يا ليفربول".

ولكن.. كان هناك من يقوى ان يختلف مع هذا الرأي في ذلك الوقت! .

*لن تسير وحدك أبدًا*

توقف لاعب يحمل شارة القيادة ويرتدي القميص رقم "8" ليقطع حديث المدرب قائلاً بصوت يغلب عليه الدهشة: "يا رفاق، هل تسمعون ما أسمع؟" الروح تدب في أرجاء الغرفة من جديد، الجميع ترك ما يفعله وبدأ ينتبه، هذا الصوت ليس بغريب أبدًا على هؤلاء اللاعبين، فهم يسمعون هذا الزئير في كل مباراة على ملعبهم ليشد من آزرهم ويساندهم، 40 ألف مشجع ينشدون "لن تسير وحدك" بصوت واحد، وعند خروج اللاعبين من غرفة الملابس بدأوا يهتفون "سنفوز 4-3"، المدرجات توجه رسالة مباشرة للاعبي الفريق مفادها: "لا بأس نحن معكم، إن كنا سنخسر اليوم، فلنخسر سويًا.. وإن كنا سنفوز سنرفع هذا الكأس معًا".

وكأن المشجعين استبدلوا ملعب "أتاتورك" بـ"الأنفيلد" بين شوطي اللقاء، لا صوت يعلوا فوق صوت نشيد "لن تسير وحدك أبدًا" في ملعب المباراة الآن، بينما يرمق لاعبي "الروسينيري" جماهير "الريدز" بنظرة تهكم قائلين في أنفسهم: "ماذا يفعل هؤلاء الحمقى؟ فالمباراة قد أنتهت، هل يظنون أنهم قادرين على العودة؟ مساكين، لم يستيقظوا من الصدمة بعد".

*6 دقائق من الجنون*

"اللاعب العظيم هو من يقوم بالأشياء العظيمة في الوقت المناسب" هكذا فعل القائد، الضربة الأولى كانت لـ"جيرارد" في الدقيقة 54 .. عندما حول برأسه الكرة ببراعة لتسكن شباك "ديدا"، ثم أشار بيده للجماهير موجهًا رسالة مفادها: "أبقوا مستيقظين، فالأفضل لم يأتي بعد".. ليعلن عن بداية عاصفة قادمة بقوة وشراسة لتلتهم الأخضر واليابس، هدف اعاد الروح مرة أخرى، وأعاد الأمل لمن فقده لتشتعل مدرجات "الريدز" أملة في المزيد.

"أفضل وقت لتسجيل الهدف الثاني هو بعد تسجيل الهدف الأول مباشرةً".. فبعد ان استطاع جيرارد ان يجمد الدماء في عروق الروسينيري، ليتسلل الرعب والخوف إلى نفوسهم، أتى هدف "سميتشر" الثاني بعدها بدقيقتين فقط في وقت مثالي، ليؤكد ما كان يخشاه "أنشلوتي"، ويعيد الأمل لمدرجات الريدز مرة أخرى، وأكاد أجزم ان جميع من كان في الملعب لم يكن يستوعب ما حدث بعد!.

حارس ليفربول "دوديك" يُعلن عن وجوده ومشاركته في الأمسية التاريخية بتصديه لرأسية قاتلة كادت تنهي كل شيء من القناص "شيفتشينكو" لترتد الكرة بركلة جزاء للريدز يتحصل عليها القائد! وجميع من يشاهد هذه المباراة في هذا الوقت يردد جملة واحدة: "يا إلهي ماذا يحدث بحق السماء!"، "ألونسو" يستعد للتسديد، "ديدا" ينجح في التصدي، ترتد الكرة ومعها تتصلب شرايين جميع المتابعين، ألونسوا يسبق الجميع ويُعلن رسميًا عودة ليفربول للقاء بثلاثة أهداف في 6 دقائق فقط! لا أحد يُصدق ما يراه الآن!.

*السماء تبتسم لصانعي المعجزة*

يضحك كثيرًا من يضحك أخيرًا.. قائل هذه العبارة لم يخطأ أبدًا، جماهير الريدز لم تتوقف للحظة عن الغناء في المدرجات، الطليان عادوا ليسيطروا على المباراة من جديد، "دوديك" يلعب الدور الأكبر ويتصدى لوابل من الكرات أبرزهم كانت كرة في الوقت الإضافي وبالتحديد في الدقيقة 117 من أنفراد تام لـ"أندري شيفتشينكو"، كاد يُنهي كل شيء، ليثبت مقولة ان الحارس يمكنه بالفعل ان يكون نصف الفريق.

السماء تبتسم أخيرًا، والمباراة تصل لركلات الترجيح، دوديك يثبت مرة أخرى انه 90% من الفريق وليس النصف فقط، ويقود الريدز لإنجاز تاريخي غير مسبوق، لن يُمحى من صفحات التاريخ، وستبقى ذكرى 25 مايو 2005 خالدة في كل وقتًا وحين.

*أخبروا هيتشكوك أن يُخرج فيلمًا مثل هذا*

عُرف عن المخرج الإنجليزي الحاصل على جائزة الأوسكار "ألفريد هتشكوك" خلال حياته المهنية التي امتدت أكثر من نصف قرن، أسلوبه الإخراجي المميز الذي دائمًا ما يشوق المشاهد ليظل يقظًا للحظة الأخيرة كي يعلم السر الذي أخفاه عنه طوال مدة الفيلم، وكانت العديد من أفلام هيتشكوك لها نهايات مثيرة للجدل، على الرغم من ذلك.. لو أخرج الراحل سيناريو مثل هذا، لقال المشاهدين أنه يبالغ، لتأتي كرة القدم في هذه الليلة وتثبت لنا مدى فقر خيال صاحب جائزة الأوسكار الثمينة.

*الرقصة الأخيرة*

تريدون الرقص؟ إذاً.. دعونا نرقص الرقصة الأخيرة معًا، ونلقنهم درسًا لا يستطيع التاريخ محو آثره، لنسترد كرامتنا، ونجعل الخوف يملأ أحشائهم، فلنقاتل معًا لكتابة قصة خالدة يتحدث عنها كل طفلٍ صغير في القارة عندما يسمع أسم الزمالك.

وإن كنت قد فقدت الأمل، أرجوك، أحتفظ بهذا لنفسك، دع البقية تحمل الراية عنك ولا تضعف عزيمتهم، فروح الهزيمة لن تفيد بشيء الآن، فقط لك أن تتخيل ما كان سيحدث لو تركت جماهير ليفربول المدرجات بين شوطي المباراة.

*أخيرًا*

كرة القدم لا تعترف بأية نظريات، قد نفعلها وقد لا نستطيع، قد نتعادل، قد نسجل في الثانية الأخيرة هدف التعادل أو التتويج، الشيء الوحيد الذي أعرفه الآن، ان على الجميع ان يتناسى ما حدث ويترك اسطوانات السب والإنتقاد لبرهة قصيرة، حتى الساعة العاشرة يوم الأحد 23 أكتوبر، بعد ذلك الجميع يستطيع فعل ما يريد، ولكن الآن فلنتحد خلف رايةً واحدةً، لعلنا نكون سببًا رئيسيًا في كتابة التاريخ بأحرفٍ من ذهب.

 

أحمد جمعة


Advertisement


Read 39230 times Last modified on الإثنين, 17 تشرين1/أكتوير 2016 19:27

zamalek.tv

Connet With Us

اتصل بنا

Tel: 00201001230617

Email: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

Website: http://www.zamalek.tv

 

Our Sponsors