المقطوعة الأخيرة لـ أليس بويد ريدينج

Written by  عمرو جمال
Published in عمرو جمال
الأحد, 02 حزيران/يونيو 2019 16:34
Rate this item
(5 votes)
المقطوعة الأخيرة لـ أليس بويد ريدينج

Advertisement

"كنت متحمّساً جداً لدرجة أنني لا أستطيع الجلوس بدون تحرك أو إيقاف تدفق الأفكار في ذهني..
أعتقد أنها الحماسة التي وحده الرجل الحرّ يستطيع أن يشعر بها..
رجل حرّ في بداية رحلة طويلة خاتمتها غير مؤكدة...
آمل أن أنجح في عبور الحدود..
آمل أن أرى صديقي وأصافحه..
آمل أن يكون المحيط الهادئ أزرق بقدر ما كان في أحلامي..
آمل.. "

https://scontent-hbe1-1.xx.fbcdn.net/v/t1.0-9/61473496_10155982850966300_6793660843679547392_n.jpg?_nc_cat=109&_nc_eui2=AeHU-cfPXlc4uBrerE5mpXtljr8HRO0QFzGvOMJyoQBoehX5z02EgvLqsVMc95lIYgcuBkzdeRakjJhqi_ZOLlA3SHk_XBH3sU8n68Yfka1aug&_nc_ht=scontent-hbe1-1.xx&oh=f2c76d680d976149b595ea8c4960947b&oe=5D947C6E

نسمات العطر الباريسي الخاص بزوجته تطغى كلياً علي المكان فيما كانت الأعين تدور بدون هدف واضح..
الحنين إلى رؤية مدى صفاء نهر لينث يقاطعه رنين هاتفه الذكي يعلن استقبال رسالة جديدة من صحفيين جريدة "بليك" السويسرية..
رسائل يقابلها بعدم اكتراث مماثل لما فعله منذ عشرة سنوات لحظة خروجه لأخر مرة من أبواب الـ سانت جاكوب بارك..
ليست فقط الرسائل ما يلازمه منذ الصباح ولكن أيضاً نظرات كل من حوله منذ أن وطأت قدمه أرض المطار..
نظرات تحمل خليط بين الامتنان و الحب الممزوج بحسرة فقدان واضحة تنطق بكل كلمات الوداع الممكنة لفراق و عزلة تم التخطيط لها من طرف ثالث..

محاولة دفن وجهه بين كفيه لم تكن كافية لمنحه الشعور الكافي بالعزلة عن العالم كما كان يحتاج..
نفس العزلة التي كان يتضرع للسماء طلباً لها بعد تسديدة بويان كريكيتش التي هزت شباك شتوتجارت للمرة الرابعة في ليلة أوروبية باردة ..
في منتصف العقد السادس من العمر كان قد أعتاد على التكيف مع كل ما يستجد في عالمه...
العالم الذي أعاده للحياة بعد الموت مع صافرة نهاية أعلنت صعود فريقه على حساب ليفربول بعد خسارة تقدم بثلاثية نظيفة في الليلة الأوروبية الأبرز التي تتذكرها بازل..
التكييف مع الحياة التي تجبرك علي المناورة ضد خورخي خيسوس بمهاجم قادم من أدغال كينشاسا بعدما تكون قد أجلست يوماً على مقاعد بدلاء فريقك بطل عالم مثل يورجن كلينسمان..
أن تصبح حديث الساعة في اليوم التالي لتحقيق انتصار تاريخي في دوري الأبطال بفريق محلي لا يمتلك مشجعاً واحداً خارج حدود زيورخ ضد أحد نسخ أياكس أمستردام الأسطورية بقيادة لويس فان جال...
الاعتياد علي المحافظة علي ملامح الوجه الجامدة بعد سماعك لسيل اللعنات القادمة من المدرج الشمالي لـ وايت هارت لين كلما حانت لحظة أستبدال ديفيد جينولا...
عدم اليأس من تكرار المحاولات البائسة لأقناع سول كامبل أن يمرر لزملائه أكثر من ركل الكرات الطويلة الواحدة تلو الأخري..
أستجماعك لكل الشجاعة الممكنة كي تصرخ بحدة في وجه آري كـ الذي يملكه يانز ليمان بعد ليلة خروج أوروبي متوقع في كامب نو..
الحاجة إلى غزو كل مدينة قد سبق و مر عليها أرفين رومل في شمال القارة للفوز بلقب قاري غائب منذ سبعة عشر عاماً..
أن تعود من أبعد نقطة ممكنة بفريق كان عملياً خارج البطولة و قيادته لمنصة التتويج ومن ثم الانزواء في آخر نقطة منعزلة وقت استلام الكأس...

لم يكن غاضباً أكثر منه محبطاً..
إحباط مماثل لما عاصره وقت انتهت علاقته السنوية باحتفالات الفوز المعتادة مع جمهور بازل وسط المدينة في نهاية كل موسم...
ولكنه يشعر الأن و أنه قد حان وقت توقف معاناته مع ربما أكثر الأشخاص بغضاً في حياة طويلة كتلك التي عاشها..
يشعر بأنه حر طليق...

أحساس الحرية المفاجيء يجعل الأعين تتحرك بعدها نحو أحد الركاب علي نفس الطائرة يجلس في الصف المقابل ممسكاً بجريدة يزين غلافها الخارجي ملصق دعائي لفيلم مورجان فريمان الأخير The Poison Rose ....
وجه مورجان فريمان علي الغلاف كافي بأن يتبادر فوراً للذهن الأيقونة الخالدة The Shawshank Redemption...
ذكرياته عن الخلاص من شاوشينك تعود بالزمن الي منتصف تسعينات القرن الماضي...
ذات الوقت الذي حقق فيه بطولته الأولى...
بطولة الكأس مع فريق مدينته الأم في زيورخ..
و لكن أعمال كتلك انت لا تنساها أبد الدهر...

 



"حتي يومنا هذا ليس لدي أي فكرة عن ماذا كان غناء هاتان السيدتان الأيطاليتان..
الحقيقة أنه لا أريد معرفة عما كان..
بعض الأشياء من الأفضل أن تظل غير مفسرة..
"أريد أن أتخيل أنهم كانوا يغنون عن شيء شديد الجمال..
شيء لا يمكن التعبير عنه بالكلمات..
و يجعل قلبك يتألم من أجل ذلك...
أخبركم حقاً تلك الأصوات حلقت أعلي و أبعد مما كان يجرأ علي أحد داخل هذا المكان الكئيب الحلم به..
وكأن طائراً جميلاً طار مرفرفاً إلى قفصنا الكئيب الضيّق وجعل كل تلك الجدران تتلاشي..
وللحظات وجيزة جداً، كلّ رجل في شاوشينك شعر أنه حر.."

الأصابع تمتد الي هاتفه في محاولة يائسة لإزالة توتر و ملل الانتظار...
نظرة خاطفة سريعة على منصات التواصل الاجتماعي تشير الي استمرار تصدر أسمه في المنشورات والتغريدات الوداعية من مشجعي ناديه السابق..
صورة وحيدة قد جمعته بزوجته بعد التتويج الأخير وسط سيل التغريدات هي فقط ما استطاع أن يرسم ابتسامة علي ملامح وجهه الجامدة كعادته...
صورة حملت ابتسامة كريستينا بجانبه و القبعة الرياضية التي ترتديها و تحمل الحرف الأول من أسم أخر و أعظم أبطال القارة حينها...
كلمات بالعربية مصاحبة للصورة يعجز عن ترجمتها ولكنه شعر بما أرادت أن تبوح لقارئها به...
الصورة التي كان قد تم إلتقاطها وسط غناء ما يقارب المئة ألف مشجع بصوت واحد لمقطوعة موسيقية لم يدرك ما تمثله ولكنه أدرك ما تعنيه..
ربما لم تكن موسيقى اوبرالية لموزارت كتلك التي سمعها أليس بويد ريدينج في مكبرات الصوت داخل أسوار شاوشينك ولكنها حتما قد حملت نفس التأثير..
حالة الـ يوفوريا في المدرجات وقتها كانت بروعة ما حاول أن يرسمه فرانك دارابونت علي وجه كل من داخل شاوشينك في نقطة الذروة لمقطوعة Marriage of Figaro... 

لم يدرك وقتها أن تأثره بالموسيقي فوق أرض الملعب ومحاولات تكرار المقطوعة دون نجاح يذكر كما حدث مع ريد كان يقابله أيضاً في المدرجات حالة نشوة واسترخاء مماثلة كالتي اجتاحت شخصية أندي دوفرين كانت من نصيب مؤلف تلك المقطوعة وهو مشجع و أبن لاعب أسطوري سابق للنادي..
كانت الكأس الغائبة منذ ما يقارب العقدين تدور علي مدرج تلو الأخر هي المطرقة التي أعطاها ريد لـ أندي ليحفر بها نفق خلاصه من جحيم شاوشينك...
كانت هي الأمل و هم محكومون فقط بهذا الأمل...







" أنا مؤمن بأمرين...
الأنضباط..
و الأنجيل..
وهنا سوف تتلقون كليهما..
ضعوا ثقتكم في الرب..
فحياتكم الأن هي ملك لي أنا...
مرحباً بكم في شاوشينك.."

 

الذكريات القريبة واحدة تلو الأخري قد رسخت في ذهنه أنه ربما الصداقة الأفضل علي مر تاريخ هوليود التي جمعت ريد بـ أندي قد أعاد الزمن أنتاجها بكل تفاصيلها بينه و بين جمهور فريقه...
هو الزمن نفسه الذي قد جلب للحياة نسخة جديدة من شخصية حاكم شاوشينك وقتها صامويل نورتن..
تلك الشخصية المماثلة التي كان عليه أن يواجهها رفقة المشجعين كعدو مشترك لكليهما كما كان الحال في حياة ريد و أندي...
ربما لو كان يفهم بعض العربية لأستمع في بداية المباراة لهتاف مئة ألف يصرخون بأعلى ما استطاعت حناجرهم مطالبين بإعدام نورتن الخاص بهم...

الحياة أحيانا تفرض عليك أن تواجه أحد هؤلاء المرضي الذين قد نصبوا أنفسهم في دور ظل الله علي الأرض..
لازال يحاول أن يطرد ذكريات أن تعاصر بشكل شبه يومي طابور أستماع أجباري لشخصية فاقت درجة المرض النفسي لديها ما يمكن لبشر احتماله..
العمل وسط اقتحام أسبوعي لغرف خلع الملابس وسط المباريات في سلوك قد يدفع ماوريزيو زامبريني نفسه الي الخجل...
إدارة مباريات يكون فيها صخب صياح و سباب تلك الشخصية في المدرجات مع كل دقيقة تمر دون تسجيل هدف هو الصوت الوحيد المسموع لديك وسط مدرجات فارغة بأمر دولة تنظم دوري خاص الدواعي الأمنية...
رؤية اسمك ضمن قائمة مختصرة تحتوي علي اسمين فقط مع بطل الثنائية جيزفالدو وقد تم نعتهم بالفشلة من قبل الحاكم نورتن و منافقيه...
فقط مجرد إعادة تخيل تلك المشاهد تجلب صورة صاحبها الكئيبة كأنها تصاحبه طوال الأثني عشر شهراً الاخيرة..






أتظن أنك ستخرج من هنا ذات يوم ؟!...
أجل ذات يوم، عندما يصبح لدي لحية بيضاء طويلة..
وأفقد قدراتي العقليّة..
سيطلقون سراحي..
سأخبرك إلى أين سأذهب...
زيواتنيهو...
إنها في المكسيك..
بلدة صغيرة..
مطلّة على المحيط الهادىء...
أتعرف ما يقوله المكسيكيّون عن المحيط ؟!...
يقولون أنه بلا ذاكرة...
هناك أريد أن أقضي بقيّة حياتي..
مكان دافىء من دون ذاكرة...

لو أراد أن يخبر أصدقائه عن تجربته الأخيرة ربما لن يجد أفضل من الفكرة التي أراد بها فرانك كينج كاتب القصة أن يتذكر بها العالم رائعته...
محاولات أندي دوفرين مقاومة كل محاولات تثبيطه من حراس شاوشنك و أن يكون ضمن قطيع الحاكم نورتن كان يراها في كل من حضر يوم التتويج ...
الفكرة التي رأها في مئة ألف غارقين حتى آذانهم في الغناء والاحتفال بتحقق الأمل...
أمل أن تحرر نفسك من العقد و القيود التي تم فرضها بشكل إجباري علي كل منهم في رحلتهم داخل شاوشينك الخاص بهم...
الحالة التي أغرقوا أنفسهم فيها طواعية و أختياراً وقت عزف مقطوعتهم المفضلة بعد التتويج و تحرير الروح و الذات بموسيقي لم يدركها سواهم...

كانوا يصرخون بالأمل و الحرية بين سطور مقطوعتهم الخاصة..
كانت صيحات الاحتفال بنتيجة قرار المواصلة و عدم الأستسلام...
قرار تم اتخاذه وقت أن كان صياح القطيع في المعسكر الآخر في قمة عنفوانه و انتصاره اللحظي..
خلقوا سعادتهم و حريتهم في أذهانهم غير مقيدين بالأسوار و الظروف التي فرضت عليهم...
كانوا أحرار داخل السجن في وقت كان الآخرون سجناء خارجه...
ما يقارب العقدين الكاملين في محاولات مستميتة للطرق علي جدران التابوت المظلم لكي يعرف الأخرين أنه لا يزال حياً…
الهتاف في قلب الصحراء بأسم ناديهم لا لذاته..
بل لعشقهم لما هم عليه عندما يكونوا بقربه...
أثبتوا خطأ من اعتقدوا أنهم لن يظلوا عشاقاً متى توقفوا عن الاكتراث..
دون أن يدركوا أنهم زائلون فقط وقتما يتوقفوا عن العشق..

ربما لو دار بينه وبين كل منهم يومها حديث قصير لما جمع خيالهم لحظتها شيء مشترك أكثر من حلم الهروب من جحيم نورتن..

الهروب إلى مكان بلا ذاكرة...
مكان يستطيعون فيه الحياة دون تذكر قاتل رفاق مدرجهم...
مكان يحظون فيه بحياة مغفورة الذنوب و منعتقة من ماضيها...
مكان و زمان أخر قد يستعيدون فيهم بعضهم البعض و يري كل منهم المحيط بلونه الأزرق كما تخيله ريد في حياة قد رحل عنها نورتن....







"عزيزي ريد...
إذا كنت تقرأ هذا فذلك يعني أنك خرجت..
و بما أنك قد قطعت هذه المسافة كلّها..
لعلّك مستعدّ لتقطع مسافة أطول بقليل..
أنت تذكر اسم البلدة..
أليس كذلك ؟!...
قد أستفيد من رجل صالح لمساعدتي في مشروعي..
سأترقّب مجيئك..
و أجعل لوح الشطرنج جاهز..
تذكر ريد..

الأمل هو شيء جميل..
ربما هو أفضل الأشياء..
ولا شيء جميل يموت أبدا...

آمل أن تصلك هذه الرسالة...
وأن تصلك و أنت بصحة جيّدة..
صديقك أندي..."

يستطيع بصعوبة رؤية الشاشة الإلكترونية في نهاية القاعة معلنة اقتراب موعد الصعود إلى رحلة طائرة لوفتهانزا المتجهة إلي زيورخ..
فيما يستعد للخروج من سرداب أفكاره الخاصة ينتبه لذلك القادم نحوه..
طفل صغير..
هو بالتأكيد أحد ركاب نفس الرحلة ولكن ما شد حواسه وانتباهه هو ما كان يرتديه الطفل..
قميص أبيض يزينه شعار بداخله رامي القوس و السهم وهو ذاته الذي أعتاد هو أيضا حمله فوق صدره في الأثني عشر شهراً الماضية...
يقترب الطفل حاملاً بيده ورقة صغيرة يبدو أنها من صنع والده الجالس في الجهة المقابلة في أنتظار نفس الطائرة..
يتسلم من الطفل رسالة أبيه مع إيماءة شكر بسيطة على ملامحه..
يبدأ قراءة الورقة المكتوبة بألمانية جيدة في سطور مختصرة.. 

بفضلك عدنا الي حيث ننتمي...
سنظل نترقب يوم لقائنا مجدداً..
ربما في حياة أخرى لا يوجد فيها من كان سبب الافتراق..
الأمل قد جعل منا أصدقاء حتى النهاية..
Danke für alles Gross
!Danke, Meister

Read 2455 times Last modified on الأحد, 02 حزيران/يونيو 2019 19:40

zamalek.tv

Connet With Us

اتصل بنا

Tel: 00201001230617

Email: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

Website: http://www.zamalek.tv

 

Our Sponsors